السيد عباس علي الموسوي
337
شرح نهج البلاغة
ونحن من هذا البيان لأهمية الدعاء ودوره في صقل روح المؤمن ونفسه ، ولأهمية التوبة ودورها وأهميتها ، نرى الإمام في فقراته العلوية يشدد على التوجه نحو اللّه بالدعاء ويقول : « واعلم أن الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء وتكفّل لك بالإجابة » - ادعوني أستجب لكم - « وأمرك أن تسأله ليعطيك وتسترحمه ليرحمك ولم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه . . . » بل يستطيع كل فرد أن يلتقي باللهّ في دعائه ويتوجه إليه في آناء الليل وأطراف النهار ، فليس هناك أوقات محظور فيها اللقاء وليس هناك موانع بل كل الأبواب مشرعة في كل الأوقات والأزمان . وكذلك يشدد الإمام على التوبة فيقول : « ولم يمنعك إن أسأت من التوبة ولم يعاجلك بالنقمة » ، وكما في الدعاء وإنما يعجل من يخاف الفوت - « ولم يعيرك بالإنابة » كسائر الناس الذين إن أسأت معهم عيروك باعتذارك ورجوعك إليهم . . . « ولم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى ولم يشدد عليك في قبول الإنابة ولم يناقشك بالجريمة » ، بل إذا صحت توبتك ستر عليك ذنبك ومحاسبتك وسدل الستار عليها وكأن لم تكن . . . « ولم يؤيسك من الرحمة بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة ، وحسب سيئتك واحدة وحسب حسنتك عشرا » كما في التنزيل حيث قال تعالى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فلَهَُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 1 ) . ( فإذا ناديته سمع نداءك ، وإذا ناجيته علم نجواك ، فأفضيت إليه بحاجتك ، وأبثثته ذات نفسك ، وشكوت إليه همومك واستكشفته كروبك ، واستعنته على أمورك ، وسألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطائه غيره من زيادة الأعمار وصحة الأبدان ، وسعة الأرزاق . ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه ، بما أذن لك فيه من مسألته ، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب نعمته ، واستمطرت شآبيب رحمته ، فلا يقنطنك إبطاء إجابته فإن العطية على قدر النية . وربما أخرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل وأجزل لعطاء الآمل ) فإذا ناديته سمع نداءك وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ، وكيف لا يسمع عبده الذي توجه إليه بقلبه وضميره وهو قد أخذ على نفسه أن يستجيب الدعاء ويقبل النداء وإذا ناجيته علم نجواك وهو الذي يعلم السر وأخفى ويعلم ما تخفي الصدور ولا يخفى على اللّه خافية فإذا أفضت إليه بحاجتك وأبثثته ذات نفسك وشكوت إليه همومك واستكشفته كروبك واستعنته على أمورك وسألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطائه غيره . فإن الإنسان إذا أخلص في الدعاء وأيقن الاستجابة كان اللّه عند حسن ظنه ويقينه .
--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية - 160 .